فخر الدين الرازي

102

تفسير الرازي

ومن قال : ( باسم الله ) ثم أضمر الفعل ثانياً فكأنه رأى وجوب الاستعانة بالله ثم نزل منه إلى أحوال نفسه . المسألة الثانية : إضمار الفعل أولى أم إضمار الاسم ، قال الشيخ أبو بكر الرازي : نسق تلاوة القرآن يدل على أن المضمر هو الفعل ، وهو الأمر ، لأنه تعالى قال : * ( إياك نعبد وإياك نستعين ) * ( الفاتحة : 4 ) والتقدير قولوا إياك نعبد وإياك نستعين ، فكذلك قوله : * ( بسم الله الرحمن الرحيم ) * التقدير قولوا بسم الله ، وأقول : لقائل أن يقول : بل إضمار الاسم أولى ، لأنا إذا قلنا تقدير الكلام بسم الله ابتداء كل شيء كان هذا إخباراً عن كونه مبدأ في ذاته لجميع الحوادث وخالقاً لجميع الكائنات ، سواء قاله قائل أو لم يقله ، وسواء ذكره ذاكر أو لم يذكره ، ولا شك أن هذا الاحتمال أولى ، وتمام الكلام فيه يجيء في بيان أن الأولى أن يقال قولوا الحمد لله أو الأولى أن يقال الحمد لله ؛ لأنه إخبار عن كونه في نفسه مستحقاً للحمد سواء قاله قائل أو لم يقله . المسألة الثالثة : الجر يحصل بشيئين : أحدهما : بالحرف كما في قوله : " باسم " والثاني : بالإضافة كما في " الله " من قوله : " باسم الله " وأما الجر الحاصل في لفظ " الرحمن الرحيم " فإنما حصل لكون الوصف تابعاً للموصوف في الإعراب ، فههنا أبحاث : أحدها : أن حروف الجر لم اقتضت الجر ؟ وثانيها : أن الإضافة لم اقتضت الجر ؟ وثالثها : أن اقتضاء الحرف أقوى أو اقتضاء الإضافة ، ورابعها : أن الإضافة على كم قسم تقع ، قالوا إضافة الشيء إلى نفسه محال ، فبقي أن تقع الإضافة بين الجزء والكل ، أو بين الشيء والخارج عن ذات الشيء المنفصل عنه ، أما القسم الأول فنحو " باب حديد ، وخاتم ذهب " لأن ذلك الباب بعض الحديد وذلك الخاتم بعض الذهب ، وأما القسم الثاني فكقولك : " غلام زيد " فإن المضاف إليه مغاير للمضاف بالكلية ، وأما أقسام النسب والإضافات فكأنها خارجة عن الضبط والتعديد ؛ فإن أنواع النسب غير متناهية . المسألة الرابعة : كون الاسم اسماً للشيء نسبة بين اللفظة المخصوصة التي هي الاسم وبين الذات المخصوصة التي هي المسمى ، وتلك النسبة معناها أن الناس اصطلحوا على جعل تلك اللفظة المخصوصة معرفة لذلك الشيء المخصوص ، فكأنهم قالوا متى سمعتم هذه اللفظة منا فافهموا أنا أردنا بها ذلك المعنى الفلاني ، فلما حصلت هذه النسبة بين الاسم وبين المسمى لا جرم صحت إضافة الاسم إلى المسمى ، فهذا هو المراد من إضافة الاسم إلى الله تعالى . المسألة الخامسة : قال أبو عبيد : ذكر الاسم في قوله : " بسم الله " صلة زائدة ، والتقدير بالله قال ، وإنما ذكر لفظة الاسم : إما للتبرك ، وإما ليكون فرقاً بينه وبين القسم ، وأقول